حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
94
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
والثناء حق للّه وملكه كما ينبئ عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه . ولا يخفى أن هذا أولى من أن يحمده شخص واحد فقط ، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا ، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان أكمل . فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه ؟ فالأستاذ يستحق الحمد من التلميذ ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من لم يحمد الناس لم يحمد اللّه » ؟ قلنا : المنعم في الحقيقة هو اللّه لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه من فوات الانقطاع ، ولهذا قال عزّ من قائل وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] وأيضا كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضا إما ثوبا أو ثناء ، أو تحصيل خلق أو تخلصا من رذيلة البخل . وطالب العوض لا يكون منعما ولا مستحقا للحمد في الحقيقة ، أما اللّه سبحانه فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال ، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جودا محضا ، فثبت أن لا مستحق للحمد إلا اللّه تعالى . الثالثة : إنما لم يقل « احمدوا اللّه » لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد اللّه وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه ، وذلك أن نعم اللّه على العباد غير محصورة وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] وإذا امتنع الوقوف عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها . وأيضا إنما يمكنه القيام بحمد اللّه وشكره إذا أقدره اللّه على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف ، وكل ذلك إنعام من اللّه فيتسلسل . وأيضا الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم بشكر نفسه ، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة اللّه فقد أشرك ، وهذا معنى قول الواسطي « الشكر شرك » أما إذا قال : « الحمد للّه » فالمعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا . ونقل أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر ؟ فقال : يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك . الرابعة : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا أنعم اللّه على عبد فقال : « الحمد للّه » يقول اللّه تعالى : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة لا » ومعناه أن ما أنعم اللّه على العبد شيء واحد ، وإذا قال : الحمد لك فمعناه المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة